الشيخ عبد الغني النابلسي
69
كتاب الوجود
الموجود الشيء الذي له الوجود أي وقع عليه اسم الموجود من غير أن يكون موصوفا به كما أن المضروب هو الذي له الضرب أي وقع عليه فعل الفاعل لا الذي اتصف بالضرب ، وإن كانت المضروبية وصفا له في المعنى كما أن الموجودية وصف للموجود في المعنى ، لكن اللفظ لا يدل عليه ؛ لأنها صيغة يراد بها الاتصاف بالوصف . وصل : الحاصل من هذا كله أن الحوادث كلها تسمى موجودات في النظر العقلي حيث أضاف العقل الوجود إليها ، ونسبه إلى ذواتها وصفاتها وهو أمر بدهى عند العقل لا تشكيك فيه ولا ارتياب « 1 » . وقد أرسل اللّه الرسل وأنزل الكتب وخاطب المكلفين في الأمر والنهى باعتبار هذا النظر العقلي ؛ فإن العقل مناط التكليف فلا تكليف بدونه ؛ إذ لا اتصاف لشيء من الأشياء بالوجود بدونه كما ذكرنا ، وإن لم يكن له حكم في الشريعة بإلزام أو منع وإنما هو شرط فقط للتكاليف الشرعية التي كلف اللّه تعالى بها عباده . فإذا أراد اللّه تعالى أن يلهم أحدا من الناس رشده إلى هنا وييسر له المجاهدة المطلوبة عند أهل الطريق المستقيم أوقفه على جلية الأمر وحقيقة الحال ، كما ورد في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من يرد اللّه به خيرا يفقه في الدين » « 2 » ، أي يفهمه فيه ، ويلهمه رشده . وصح في الحديث أيضا دعاؤه صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس - رضى اللّه عنهما - بقوله : « اللهم فقهه في الدين ، وألهمه رشده » .
--> ( 1 ) انظر ما تقدم في تطور مذهب الأشعرية نقلا عن كتاب مذاهب الفرق الكلامية ص 240 ، وما يليها - طبعة - دار الثقافة العربية . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 71 ) 3 - كتاب العلم ، 14 - باب من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين ، عن معاوية ، وهو في البخاري أيضا أرقام ( 3316 ، 3641 ، 7312 ، 7460 ) . وأخرجه مسلم ( 175 ) كتاب الإمارة ، 53 - باب قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم » عن معاوية ؛ وأخرجه الترمذي ( 2645 ) ، 42 - كتاب العلم ، باب إذا أراد اللّه بعبد خيرا فقهه في الدين ، عن ابن عباس .